كيف نعاقب ابناءنا

الكاتب : ا. سلمي محمد / بتاريخ : فبراير 18, 2011

العقاب والثواب..وجهان لعملة واحدة…والغرض منهما تعزيز القوانين التربوية سواء في البيت او المدرسة.

وهما في جوهرهما اما تحفيز وتشجيع واما تنفير وردع…ومن اخطر الاخطاء التربوية والمؤثرة سلباً علي تربيتنا لابنائنا    هي سوء استخدام الثواب والعقاب.

ومن الملاحظ في بلادنا فانه لا يكاد يوجد ثواب …اما  العقاب فعادة ما يكون كنوع من الانتقام علي فعل ما…ولا يُراعي فيه ولا خلاله ان يرتدع الفاعل ويتم اصلاح نزوعه الي الفعل الغير موغوب بقدر ما يكون قصاصاً وانتقاماً.

انتهي العقاب بهذا المفهوم من العالم الحديث منذ زمان بعيد…واصبح العقاب عبارة عن فترة اصلاحية شاقة ليس اكثر..وحتي المجرم و المُفسد يعاقبونه علي اساس اصلاح سلوكه لانهم كانوا حين يستعملوا العقاب كثأر من المجرم وقصاص عادة ما  يعود بعد فترة العقاب الذي تعرض له وهو اشد حنقاً وثورة علي المجتمع الذي عذبه وحبسه وابعده…بينما الميل و الدافع للتخريب والجور وكسر القوانين ما زال موجود داخله. فجاءت فكرة اصلاح المجرم او المخطئ بدلاً عن الثأر منه  ضماناً لامن المجتمع وسلامته وايماناً بحق المواطن علي مجتمعه بمساعدته وعلاجه في حالة اعوجاج او خراب نفسيته. وكذلك فان التربيون قد بدأوا بمراجعة وتنقيح فكرة العقاب وبدأوا يستعملونه كأداة اصلاح وتعزيز للقوانين التربوية اكثر منها كأداة ثأر وانتقام علي مخالفة تلك القوانين.

ويبدأ الطفل الصغير في عُمر مبكر جداً في التقاط علامات الرضا والغضب علي وجه والديه تجاه افعاله …ثم يتطور الامر فيبدأ بالتعرف علي وتمييز عبارات المدح والذم دون ان يفهم بالضرورة محتواها اللغوي ككلمة “برافو” للتشجيع  وكلمة “لا” للتنفير. فيعرف الطفل ان هناك كلمات معينة تشجعه علي بعض انواع السلوك وكلمات اخري تستنكر وتستهجن منه سلوك آخر. ويتكون في نفس الطفل تلك الانا العليا  وفيها يبدأ الطفل باختزان ما يوجب الرضا من ما يقوم به من الافعال وما يوجب السخط والعقوبة منها. و تبدأ داخله هذه التصنيفات علي ان بعضها حميد وبعضها يثير السخط. ثم بعد ذلك يبدأ الوالدين في تثبيت المفاهيم التربوية التي ينتهجانها في تربية الابناء فيبدأوا باثابة الطفل علي السلوك الايجابي ومعاقبته علي السوك الغير مستحب. ومن الطبيعي ان يحاول الطفل الحيازة علي اعجاب ورضي الوالدين والظفر بالثواب وان يخاف ويتجنب الوقوع بمخالفة تعليمات الوالدين حتي لا يقع عليه العقاب.

العقاب امر هام وضروي في العملية التربوية اذا انه يقوم يتعزيز القوانين التربوية وتثبيتها او ما يسمي بال

” reinforcement”

وهو يساعدنا علي ثبيت فكرة ان هناك افعال معينة يجب ان لا نأتي بها وانها غير مقبولة وتوجب سخط وعدم قبول وعقاب من جانب الوالدين. والتساهل في العقاب او تجاهل ضرورته يجعل الابناء يصنفون بعض ما هو خطأ وغير لائق من الامور علي انه عادي ومقبول لانهم لم يتلقوا اي عقاب او تنفير منه.

والصحيح في ما يخص العقاب انه يجب ان نبدأ بثواب الطفل ومكافئته علي الاشياء التي يتعلمها في سنيّ حياته الاولي وان نحرص علي حصوله علي بعض الامتيازات والمخصصات قبل ان نبدأ بالعقاب. نبدأ بالعقاب فنأخذ منه بعض من مخصصاته وامتيازاته كلما اخطأ او كلما اردنا تنفيره من سلوك معين. كذلك فانه كما نمارس علي اطفالنا العقاب فاننا يجب ان نحاول ايجاد كمية موازية من الثواب والتحفيز والتشجيع علي السلوك الايجابي.

ويمكن يتداخل الثواب مع العقاب  فيخففه …مثال علي ذلك اني عاقب الطفل بثلاثة ايام بدون ان يشاهد التلفزيون لانه لم يعمل الواجب المدرسي بشكل صحيح فان عمل الطفل واجبه بشكل مُرضي في اليومين الاولين اسقطنا عنه اليوم الثالث من مدة العقاب واخبرناه ان ذلك تمّ كنوع من الثواب بتخفيف العقاب لاتيانه بسلوك ايجابي اثناء فترة العقاب. و يجب ان نساعد ابنائنا علي استيعاب انه لا علاقة للعقاب بحبنا لهمفيجب ان لا نذكر عبارات تدل علي الكراهية او عدم الحب اثناء ما ننزل العقاب عليهم. بل انه يكون لزاماً ان نوضح لهم انهم انما اخطأوا رغم علمهم بالقوانين المتبعة  ولذلك وقع عليهم العقاب واننا آسفون من اجلهم .

ومن الاخطاء الشائعة التي يرتكبها الآباء والمربون في ما يخص العقاب هي عدم الاهتمام  بالموازنة بين العقاب والثواب او الرضا الذي يتلقاه الطفل…وانهم يبدأون بالعقاب قبل الثواب . والمؤسف في ذلك..انه حين لا نكون منحنا الطفل اشياء او مخصصات “مصروف – نزهة اسبوعية ” كثواب فاننا لا نجد ما نحرمه منه في حالة خرقه لقوانينا التربوية التي ننتهجها ولا يبقي امامنا الا ان نضربه ونهينه ونوجعه ونؤذيه كوسيلة عقاب.

كذلك فان بعض الآباء والامهات يقوموا بممارسة العقاب اللفظي ويكون بايذاء الطفل نفسياً بالتفوه بعبارات تدل علي الكراهية والعنف اللفظي فيرتبط لديهم العقاب علي انه كراهية من جانب آبائهم وامهاتهم بدل ان يعرفوا انه مجرد تعزيز لتطبيق القوانين التربوية ولا علاقة له بمشاعر الوالدين تجاه الابناء. كذلك من الاخطاء هناك عدم “الثبات” او ال“Consistency“علي مبدأ العقاب وهذا من اخطر الاخطاء التي ترتبط بهذا الامر بمعني ان نعاقب الطفل علي سلوك معين ثم لا نعاقبه عليه ان قام بنفس الفعل بعد اسبوع او شهر مثلاً. او نوقع عليه عقوبة معينة ثم لا نهتم بتطبيق واتمام فترة العقوبة.

مثال علي ذلك ان تقول للطفل عقابك علي خطأك ان تنقل صفحة من كتاب ما كل يوم لمدة اسبوع ثم لا تهتم بتطبيق العقاب او يتوسل لك الطفل في اليوم التالي فتسامحه او يتم تنفيذ العقاب ليوم او اثنين ثم يُنتسي الامر.كذلك فانه من اكثر الاشياء خطورة معاقبة الطفل ونحن واقعون تحت تأثير الغضب. فيأتي العقاب مهولاً لا يتناسب مع حجم الخطأ. وينشأ عند الطفل نوع من الخلط والالتباس وربما الحيرة والتشوش لاحقاً حين يُدرك الحجم الحقيقي لما ارتكبه. ويكتشف ان ما تلقاه من عقاب وخلق لديه نوع من الرعب من امر معين..لم يكن مناسباً في كميته وكيفيته. وقد لا يُدرك ابداً سر اختلاط الامر عليه…ويبدأ هنا التشوش النفسي والذهني في السيطرة علي ذهن الطفل وعجزه عن تفسير مواقف والديه او احدهما. فيجب ان نتحكم بكيفية ومقدار العقاب وان نراعي ان يكون بحجم الخطأ لا بمقدار غضبنا وسخطنا.

من المفيد واللائق تربوياً ان نطلب من الطفل الابتعاد عنّا في حال الغضب وان نختار العقاب المناسب ونحن اكثر هدوءاً. ولا انسي ان اذكر العقاب يجب ان يتم في جو و محيط اسري لائق وانه لا يجدي اذا ما تم في بيئة بها مثلاً ادمان كحول او مخدرات لأن الطفل لا يحترم ولا يثق بالشخص الذي انزل به العقاب.

وكما ذكرت فان احد مكونات النفس البشرية هي الانا الاعلي …..فنفس الانسان تتكون من ال “هو” او الED

والانا  أو الEGO

والانا الاعلي او الSuper EGO

وبينما يختص ال “هو” بالرغبة بتحقيق الحاجات الاساسية من طعام وشراب ونوم ..ويختص الأنا بالتوفيق بين الهو والانا الاعلي …فان الانا الاعلي يتكون من شقين هما الضمير والانا المثالي و يختص الضمير بتأنيبنا وتبكيتنا واشعارنا بالذنب اذا ما قمنا بعمل لم يتم تشجيعنا عليه في الصغر…بينما يتولي الانا المثالي اثابتنا واشعارنا بالفخر والراحة والرضي عن انفسنا اذا ما اتينا بعمل كانت الذاكرة قد اختزنته علي انه عمل حميد يوجب الرضا . ويتم اختزان هذه المفاهيم وتصنيفها في عمر مبكر داخل الضمير والانا المثالي وتستمر معنا ما حيينا..ويصعب تغييرها او ازالتها في معظم الاحوال. ومن الهام ان نساعد ابناءنا في الصغر علي خلق ضمير وانا مثالي صلبين وصحيحين…وان ننأي بهما عن التباس المفاهيم التي يتم اختزانها فيهما بالمبالغة في العقاب او العكس. كذلك فان التساهل في العقاب يجعل الطفل يختزن الفعل السئ المكروه علي انه حميد “مثال علي ذلك : بعض الآباء يضحكوا حين يتفوه الصغار بكلام بذئ ” ..فيتم اختزانه في الانا المثالي بدلاً عن الضمير…ولنا ان نتصور مدي الفوضي التي تعم نفس ذلك الصغير فيأتي بافعال مقيتة وهو يحس بالزهو والفخار..والحيرة التي تنشأ حين يحاول الاخرون تقويم افكاره وما يعتقده عن ذلك الفعل. وبعض تلك المشكلات تستمر حتي الكبر.

العقاب بالحرمان او اداء بعض الاعمال سواء المدرسية او المنزلية يأتي ثماراً اطيب من الضرب الذي يثير السخط ويدفع علي العناد والاحساس بالمهانة والانكسار والذي قد يتحول في حالة استمراره اما الي ضعف في شخصية الطفل او ميل شديد للعنف والرغبة الدائمة في الانتقام. كذلك فانه يجب الموازنة بين كمية الثواب والعقاب في حياة الطفل وموازنتهما بميزان العقل والمنطق حتي لا ينشأ الطفل ساخطاً ناقماً. ولنتذكر دائماً اننا نعاقب اطفالنا حتي نخلق في داخلهم ذلك المخزون من المفاهيم المستهجنة والتي تكون كامنة فيما بعد في الضمير الذي يتولي معاقبتهم بدلاً عنا عندما يكبروا.

ا. سلمي محمد

اخصائ تربيةالولايات المتحدة

أضف تعليقاً