كيف تواجه السرطان وتتعايش معه؟

الكاتب : الشامى محمد الامين / بتاريخ : أكتوبر 14, 2012

كيف تواجه السرطان وتتعايش معه؟

عند سماع كلمة سرطان نجد أن البعض يستعيذ بالله تحصناً من هذا المرض ولايريد أن يسمع المزيد فالمرض يكاد يكون وصمة لايتمني أحدنا أن تلصق بحببيب أو قريب ناهيك عن النفس.

ولكن عندما يبتلي الله عز وجل عبده فلا مفر من أمر الله فلذا يجب أن نجد طريقة لمواجهة هذا الإبتلاء ثم التعايش معه.

التشخيص بهذا المرض بلاشك يحمل معه الكثير مثل:

  1. الحزن والغضب.
  2. القلق والخوف.
  3. الإنكار وعدم التصديق.
  4. الإرتباك والشعور بالضعف والهزيمة.

يحدث ذلك وبدرجات متفاوتة ولو للحظات ثم يعقبه شئ من التماسك والرضاء بقضاء الله وقدره ولكن حسب درجة إيمان الشخص المبتلى. فليلعم الإنسان علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطاه لم يكن ليصيبه قال الله عز وجل فى محكم تنزيله (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك علي الله يسير) (22) الحديد. فمما لاشك فيه أن الإصابة بالسرطان نوع من الإبتلاء من الحكيم العليم لا من أجل الهلاك والعذاب وإنما إمتحان لصبر العبد وتقبله لقضاء خالقه وقدره.

فالله يبتلي عباده بالمصائب كما يبتليهم بالنعم.

قد ينعم الله بالبلوي وإن عظمت  ***  ويبتلي الله بعض القوم بالنعم

حياة الإنسان بعد التشخيص بالسرطان:

تتغير حياة الإنسان عند التشخيص بالسرطان بالذات في الأولويات الحياتية :

  1. فنجد إن الإنسان تتغير علاقته بربه فيصبح أكثر تقرباً لله ويبدأ في محاسبة نفسه بتقصيره إتجاه خالقه وهذه محمدة. ولكن والعياذ بالله فهنالك من يستنكر إختياره دون خلق الله. وكذلك قد تتغير علاقته بمن حوله من أهل وأقارب وأصحاب وزملاء في العمل.
  2. قد يلزم المرض وعلاجه تغيير في الوظيفة ونوع العمل او طبيعته.
  3. تغير في أسلوب الحياة ونمطها من مأكل ومشرب قد يفرضه العلاج إن لم يفرضه المرض نفسه هذه التغيرات يجب أن يراعيها أهل المريض.

ماهو واجبنا نحو مريض السرطان؟

  1. تعريفه بمرضه حتي يتسني له إتخاذ القرارات السليمة من علاج وغيره لكى يواجه هذا المرض بطريقة تتناسب مع وضعه الصحي الجديد.
  2. مساعدة المريض في الإحساس بأنه لم يفقد التحكم في جسده وصحته وإن ما أصيب به لايتعدي أن يكون مثل أي مرض آخر يجب مواجهته والبحث عن سبل علاجه إن وجدت مما يجعله صامداً لاينهار من أول وهلة.

لكن للأسف الشديد إن ثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا تحرم مرضى السرطان من هذين الأمرين، فناهيك عن تعريف المريض بمرضه فالغالب أننا نخفي عن المريض حتي إسم المرض ونوعه وماهيته فنتركه في عزلة تامة من أمر هو صاحب الشأن فيه ونحسب أنه لايدري. فالحقيقة انه  يدري تماماً ان هنالك خطر داهم حياته ولكن للاسف تجد ان الكل يعلم بعض الشئ الا صاحب الشأن نفسه. فقد يكون هذا الورم السرطانى في مراحله الأولي التي يمكن الشفاء منها ولكن نظرات الإشفاق ودموع الحزن تحول المريض إلي دمية بلاحراك وتحرمه من الرغبة في معرفة ما ألم به فيفقد الأمل في كل شئ ليصبح ضحية لأمراض أخري قد تكون أكثر خطورة مثل الإكتئاب واليأس والقنوط من رحمة الله فيخسر الدنيا والآخرة. عند عملي في إحدي بلداننا كان يأتينا المريض داخلاً من بوابة العيادة والتي كتب عليها بأكثر من لغة إسم عيادة الأورام ورغم ذلك يصر الأهل والأقارب ألا يتلفظ أحدنا بهذا الإسم اللعين ولا حتي بإسم علاجه الكيماوي وبذلك نحول من نحب ونبر إلي دمية مجردة من أبسط الحقوق وقد لاندري أن ذلك الحبيب والعزيز هو من يعاني الأمرين من مرض وآثار جانبية ناتجة عن علاج ذلك المرض.

ثم يأتي الأسوأ من ذلك في نظري إذ قد لايدري المريض بأن أيامه في هذه الحياة صارت معدودة بناءً علي علمنا القاصر فالأعمار بيد الله. ولكن الله مكننا من علوم نرسم بها حياتنا. فإن علم المريض مانخفيه عنه لتصرف في حياته وفي مايملك في هذه الفانية بطريقة مختلفة تماماً. إننا نحسب أننا نقدم لمن نحب معروفاً وفضلاً نشكر ونثاب عليه ولكن في حقيقة الأمر سلبناه وجردناه من كل شئ يخصه هو شخصياً. إننا قد لاندري أن صاحب الشأن قد يكون أقوي منا وأن المرض قد يضفي عليه إيماناً وصبراً يفوق إيماننا وصبرنا مجتمعين. إنني لا أدعو أن نسلم الحقائق كاملة ومجردة وفي وهلة واحدة للمريض ولكن يجب أن نجعله دارٍ بما يحدث حوله فهو الذي سوف يلاقي ربه ولن نفعل ذلك نيابة عنه لأننا فقط نحبه ونعزه.

للأسف الشديد نحن أهل الإسلام والإيمان نفعل ذلك ولكن أظنه فقط من باب التقاليد والأعراف المبنية علي الجهل الممزوج بالرأفة والرحمة بمن نحب دون علم بما قد نلحقه من أضرار دنيوية وأخروية بأحبائنا وأهلينا عند إبتلائهم بالسرطان وبالذات فى مراحل متأخرة قد لا ينفع عندها العلاج.

مواجهة السرطان من أجل حياة أفضل:

لكي يواجه مريض السرطان هذا المرض بطريقة سليمة تمكنه من حياة أفضل وبأقل معاناه قد نجده يحتاج لثلاثة أدوار مهمة يلعبها المريض نفسه ثم من يرعاه ويقدم له المساعدة ثم الطبيب المعالج.

دور المريض:

كما ذكرنا سابقاً فإن العلم بالتشخيص نفسه دائماً مايكون وقعه صعب علي النفس وتقبله ليس بالسهل مما يولد الإنكار والحزن والغضب والشعور بالخوف والإرتباك ولكن يجب التماسك واليقين بأنه أمر الله أراد به الإمتحان لا الهلاك فلا يموت أحدنا في غير يومه وأجله. عادة عند التشخيص لاندري أي نوع من السرطان هو وفي أي مرحله هو ومامدي فعالية سبل العلاج المتوفرة. فبعد أن يسلم المؤمن أمره إلي الله ويسأله العفو والعافية داعياً ربه كما دعا ذو النون ربه وهو في بطن الحوت : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فبعد ذلك يجب أن يلتفت إلي نعمة الله عز وجل إذ جعل لكل داءٍ دواء كما جاء في الصحيحين عن عطاء عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله (ص): ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء.

فقد نلحظ مع مرور الزمن أنه كل فترة وأخري نسمع عن إكتشاف دواء جديد لمرض قديم فهذه الأدوية منزلة وموجودة بيننا وما علينا نحن البشر إلا إكتشافها بل ليس إيجادها من العدم. فكم من مرض كان معضلة أصبح سهل العلاج وما يدريك أن يكتشف علاج ما لمرضك فيجب أن نحسن الظن بالله ونسأله العافية والشفاء وندعو بما كان يدعو به رسولنا الكريم عندما يعود بعض أهله، يمسح بيده اليمني ويقول: اللهم رب الناس، إذهب البأس، وأشف، أنت الشافي لاشفاء إلا شفاؤك ، شفاء لايغادر سقما.

هكذا يكون المريض قد هيأ نفسه لرحلة البحث عن العلاج ونلخصها في الآتي:

  1. أولاً محاولة فهم المرض ماهيته ونوعه ومرحلته وذلك بالإستماع للطبيب جيداً وعدم الحرج في التوجه بأي سؤال ولو بدأ بسيطاً. كما أشجع علي طلب الطبيب للإستعانة بالرسم التوضيحى وإستخدام الصور والمجسمات لمعرفة المرض ومكانه في الجسم وما قد يؤدي إليه من أعراض مستقبلاً مع العلم بأن بعض المرضي يفضلوا معرفة كل صغيرة وكبيرة أما البعض الآخر يحبذ أن يعرف القليل فقط.
  2. ثانياً التوجه إلي خيارات العلاج وأريد أن اصر علي كلمة خيارات هذه لأنه لايوجد خيار واحد بل توجد دائماً خيارات عدة تختلف في طرق تطبيقها ووفرتها وفعاليتها وإمكانية تحملها ومردوداتها السلبية والإيجابية والتي بلاشك تتباين من مريض إلي آخر حسب العمر والحالة الصحية العامة وحتي المقدرة المادية في إجرائها. فنحن في عالم تحكمه المادة والوضع الإجتماعي بشكل فاضح لذا لابد من مناقشة هذه الخيارات بصدر رحب وعقل متفتح.
  3. بالطبع قد يكون المريض وذويه شاردي العقل عند الزيارة الأولي وقد لايستوعبوا ما دلت عليه الإجرآت الطبية من فحوصات وصور وماذا تعنى نتائجها خاصةً سوف يتم إستعمال مصطللحات طبية غريبة عليهم. فلذا عند العودة إلي المنزل يجب علي المريض وذويه خاصة من سوف يقوم بالرعاية أن يراجع ماتم في هذه الزيارة ويحاول ترتيب الأمور مرة أخري، ثم تدوين الأسئلة والإستفسارات إستعداداً لزيارة الطبيب القادمة والتي غالباً ماتكون فيها مراجعة ومعرفة بعض الصفحات والصور الإضافية والتي بناءً عليها يتم تحديد خيار العلاج الأمثل والذي لابد  للمريض أن يكون صاحب صوت مسموع فيه فهو الذي سوف يشق طريق العلاج والشفاء بعون الله ولطفه.
  4. في كثير من الأحيان يجد المريض نفسه في وضع يستلزم كثير من التغييرات كما ذكرنا سابقاً مثل تغيير نظام العمل او حتى تركه ولو لفترة قد تطول وقد تقصر ولكن الأفضل للمريض المداومة على العمل حتى لا تكون حياته تدور فى فلك السرطان والعلاج, فأحياناً يتحتم على المريض تغيير نمط الحياة وحتي السكن حيث في بعض الحالات قد يلزم المريض أن ينتقل من مكان إقاته الى حيث العلاج ولو لفترة قصيرة مما يفرض عليه البحث عن عون ومساعدة من إبن أو أخ أو اب وغيره. ففي معظم الحالات يكون طريق العلاج شاق ووعر ومعقد خاصة فى بلادنا فالأمر يتطلب الصبر والإصرار والعزيمة والتفاؤل.
  5. خلق نظام يساعد في سلك طريق العلاج الشائك والمعقد والذي يحتوي علي مواعيد كثيرة تكاد تكون يومية أو عدة مرات في الاسبوع أو الشهر لذا من الأفضل الإستعانة بمفكرة ورقية أو إلكترونية وعدم الإعتماد فقط علي الذاكرة التي قد لا تسعف في مثل هذا الوضع الصحي المعقد. إضافة إلي ذلك يفضل الحضور لمقابلة الطبيب برفقة شخص آخر يساعد في فهم وإستيعاب مايجري.
  6. خلق علاقة مع الطبيب المعالج وأعضاء فرقة التمريض فهم قد أصبحوا جزء مهم من حياة المريض الصحية واليومية إذ أن قراراتهم قد تغير مجريات يومه دون سابق إنزار لا لشئ إلا لأن آثار العلاج قد لايمكن التنبؤ بها بدقة تامة. بناءً علي هذه العلاقة قد لايجد الطبيب صعوبة في معرفة متى وكيف يقوم بإفشاء أي خبر سار كان أو حزين, فهذا شئ مهم جداً فكل إنسان يختلف عن الآخر. فمن المرضى من لايريد أن يعرف التفاصيل الدقيقة والبعض الآخر يحب أن يعرف كل شئ صغير كان أم كبير ثم أن كل مريض له طريقته الخاصة في تناول أخبار علاجه ومردوداته.
  7. أخيراً يجب أن يعلم المريض أنه لاحرج في أي سؤال بل من واجب الطبيب أن يبادر فيسأل مريضه إن كان لديه اي سؤال أو إستفسار ثم إنه لاحرج في البحث عن رأي أو إستشارة من جهة او طبيب آخر فهذا لايعتبر تشكيك في مقدرة الطبيب المعالج.

دور مقدم الرعاية:

 عند الزيارة قد يكون من الصعب تجاذب الحديث مع مريض السرطان حيث قد لايدري الشخص ماذا يجب أن يقول وماذا يجب أن لا يقول وان لا يتطرق إليه وكيف يمكنه أن يشد من ازر المريض وان يرفع من معنوياته وفي كثير من الأحيان يكون الصمت هو أفضل شئ.

وإن كان لابد من الحديث فمن الأفضل التحدث عن أشياء عامة وياحبذا لو كانت هنالك مواضيع ومواقف مشتركة إذ الحديث فيها قد يلهى المريض عما هو فيه.

يجب أن نتذكر ليس بالضروري أن يكون كل محور الحديث يدور حول السرطان وعلاجه وماتوصل اليه العلم الحديث لعلاج هذا المرض الخبيث وأنه قد كثرت الإصابة به ثم الخوض في مسبباته وخاطره.

يجب الإبتعاد عن محاولة وصف حالة المريض وتذكيره بأنه اصبح شاحباً وأنه فقد وزنه أو أي وصف أو تعابير تشعره بأنه مريض بل بالعكس فإن الكلمات الطيبة والمشجعة دون المبالغة قد يكون لها اثر طيب يرفع من روح المريض المعنوية ولو للحظة.

كما يجب تجنب الخوض في تفاصيل حالة المريض وكثرة السؤال بالذات في الأمور الشخصية فكثير من المرضي لايفضلوا إشراك الغير بما بهم. فقد نجد أحياناً من يشرع فى تحليل ما يجرى ومن يثم يأتى ببعض النصائح العلاجية مستشهداً بمواقف مماثلة حدثت لشخص ما فمثل هذه الأشياء قد تكون غير مناسبة او حتى مزعجة للمريض مما يشعره بالتدخل فى أموره الشخصية.

يأمرنا ديننا الحنيف بزيارة المريض كما ورد في الحديث القدسي ان النبي صلي الله عليه وسلم قال ان الله عز وجل يقول يقوم القيامة يا إبن آدم مرضت فلم تعدني، قال : ياربي كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، ثم أوصانا الرسول صلي الله عليه وسلم بالجلوس عند رأس المريض حتي يتسني لنا الحديث إليه بصوت منخفض فلا نزعجه وندعو له بما دعا به الرسول صلي الله عليه وسلم اللهم رب الناس ، أذهب البأس وأشف أنت الشافي، لاشفاء إلا شفاؤك شفاءً لايغادر سقما، ولاننسي أن لانطيل في الزيارة حتي لا نشق علي المريض فنتركه يرتاح فقد تمر عليه حالات لايود أن يطلع عليها أحد.

عند الجلوس بجانب المريض يجب أن تحرص أن تكون منتبهاً ناظراً في عينيه تسمع اليه ولاتقاطعه بالكلام ثم أترك مجالاً للصمت من وقت لآخر وأن تضفي علي المجلس السرور بالإبتسام ولاتترك الحزن هو سيد الموقف.

من الأفضل ان نبدئ المساعدة ما أمكن مع ترك المريض يقوم ببعض او أغلب إحتياجاته حتي نشعره بأنه مازال بخير وقادر علي الإهتمام بنفسه ونفسح له مجالاً حتي لمساعدة غيره فهذا في حد ذاته جزء من العلاج.

من باب العطف والرحمة نجد الكثير منا يحرم المريض من أي دور في الحياة فنلزمه الفراش غصباً عنه وان كان قادراً وذلك يضر ولاينفع. يجب أن نعلم ان مرضى السرطان بالذات قد لاينفعهم العلاج إن كانوا طريحي الفراش، فعلاج السرطان هو عبارة عن معركة يحارب فيها المريض السرطان، فإذاً لابد للشخص المريض ان يقاتل بنفسه مستخدماً سلاح الأدوية الكيماوية والتي هي في حد ذاتها تضعف الجسم وترهقه. فعدم الحركة والبقاء بالفراش أو حتي البقاء بالمنزل دون الخروج يعتبر فيه ضرر للمريض. فإن أردنا مصلحة المريض وشفاءه ساعدناه في أن يكون نشطاً يمارس حياته ما إستطاع وإن لايترك عمله ما أمكن ذلك فيجب أن نحارب مثل تلكم العادات. إنه من البر والعطف أن نجعل مريض السرطان يترك كل شئ فنهيئ له الفراش الوثير حيث نقدم له الخدمة وهو مستلقي علي فراشه مع العلم أنه قبل أيام كان في مكان عمله، فرغم أن المقصد نبيل لكن المردود عكسياً يسبب الضرر وتدهور الصحة في وقت قصير.

ولكن لاننسي, نعم أنه هنالك حالات متأخرة من السرطان يحتاج فيها المريض إلي الراحة والعلاج التلطيفي حيث أن محاربة السرطان قد لاتفيد كثيراً ففي هذه الحالات فإذاً لاغضاضة من القيام بكل شئ نيابة عن المريض.

دور الطبيب وطاقمه:

مقابلة المريض الأولي:

تعتبر هذه أصعب لحظة لطبيب الأورام إذ عليه أن يخبر المريض ولأول مرة مؤكداً له إصابته بالسرطان رغم أن المريض يعلم إلي حد ما بصحة الخبر فقط بتحويله إلي عيادة الأورام ولكن يأتي وبه بعض الأمل في أن تكون النتيجة خاطئة وبه بعض الإنكار وعدم التصديق. فهاهو أخصائي الأورام يأتى لينزع منه هذا الأمل فهي لحظة صعبة وثقيلة علي الطرفين.

في بادئ الأمر يتمني المريض ألا يري هذا الطبيب ولا أقول أنه يبغضه ولكن يمثل عنده نقطة تحول قد تكون سيئة في مشوار حياته ثم فجأة يتغير الحال فالمريض يري في هذا الطبيب بصيص الأمل فهو وأمثاله الوحيدون الملمون بخبايا هذا المرض اللعين. وقد تري في عيني المريض عبارة تقول إن حياتي بين يديك فهل ياتري ان يقوم الطبيب بطمأنة المريض وذويه ولو من باب الكذب الابيض كما يقولون او أن يكون جافاً فيضع الحقيقة عارية مجردة وكما هى فى كتب طب الأورام. وهنا تكمن براعة الطبيب فيكون حكيماً بمعنى الكلمة يعرف متى وكيف يعرّف المريض بمرضه وحالته أثناء مشوار العلاج. يجب ان نعلم ان ليس كل ورم سرطاني يعني نهاية حياة المريض فمن هذه الاورام السرطانية ما يمكن الشفاء التام منه ومنها مايمكن التحكم فيه ولفترات طويلة تشابه الشفاء وتجعله مثله مثل الأمراض المزمنة كالفشل الكلوي حيث يعتمد المريض علي الغسيل طول حياته وكمرض السكري والقلب والروماتزم وغيرها من الأمراض التي لايرجي الشفاء التام منها بل يعيش ويحي المريض بها مادام يحافظ علي تناول أدويتها وهذا هو الطريق الذي نتمني ان نصل اليه لمرض السرطان ان لم نكن قد وصلنا اليه فى علاج بعض من هذه السرطانات. فبلاشك قد تغير الحال الي حد ما مقارنة بالعقود الفائتة بالنسبة لهذه الشريحة من المرضى.

نعود لهذه المقابلة الأولي والتي هي بالتاكيد مهمة جداً ولكنها ليست الأهم فالأهم هي الزيارة الثانية والتي يتم فيها رسم خارطة طريق العلاج من بين الخيارات المتاحة ففي الزيارة الأولي يجب ان يحدث الآتي:

  1. تأكيد التشخيص إن أمكن وإيصال تلك الحقيقة القاسية للمريض ولذويه بصورة من اللطف والرقة عسى أن يتم التسليم بالواقع الجديد.
  2. مراجعة بعض الحقائق الطبية وبصورة عامة حتي يخرج المريض وذويه بفكرة عن المرض المعين.
  3. أن تتم المقابلة في جو هادئ يمتاز بالخصوصية وأن يفسح لها وقت كافئ حتى يتسني للمريض وذوية طرح أسئلتهم.
  4. ان يتوقع الطاقم الطبى من مريضه ومرافقيه لحظات من الغضب والحزن ولذا عليه ان يفسح بعض الوقت للصمت والدموع فقد يكون فيهما متنفس وراحة تساعدان في إستمرارية النقاش وتقبل الوضع .
  5. يجب علي الطبيب أن يعطي الأمل ولكن بصورة حذرة فرحمة الله وسعت كل شئ وهو الشافي وان لايستعمل الحقائق العلمية الجافة خلال هذه المقابلة بالذات ولكن في نفس الوقت يجب ان لايفرط في الطمأنة الغير مبنية غير حقائق وثوابت علمية.
  6. وفي الختام وبعد تدوين تاريخ المرض والكشف السريري وقبل إنهاء المقابلة يجب علي الطبيب أن يعود ويسأل المريض وذويه إن كان لديهم اي سؤال او إستفسار ثم حثهم علي كتابة اسئلتهم وتجهيزها للزيارة القادمة. ثم على الطاقم الطبى أن يزودهم ببعض الكتيبات او أى مصادر تساعدهم فى التعرف على السرطان المعين وطرق العلاج المتاحة فبحمد الله وفضله اصبح فى متناول أى شخص فى عصرنا هذا التوصل الى المعلومات المطلوبة. ولكن يجب أن نكون حذرين فليس كل ما هو مطروح ومتوفر فى الإنترنيت وحتى فى الصحف والكتب هو مبنيٌ على أسسٍ علمية. فلذا ننصح المرضى أن يستشيروا أطباءهم وذوى الخبرة فى هذا المجال قبل الإقدام على أشياء مبنية على القصص والتجارب الشخصية. بما لا شك فيه أن عجز الطب او قصوره لإيجاد علاجات شافية لهذا المرض القاتل قد وفر مجالاً خصباً للكثيرين من المجتهدين وحتى المنتفعين من مصائب الغير.

إفشاء الأخبار السيئة:

عند إفشاء الأخبار السيئة ونتائج الفحوصات السلبية يجب مراعاة الآتي:

  1. أن تتم في مكان وجو مناسب يسمح بتفاعل المريض وذويه مع الخبر.
  2. مراعاة خلفية المريض الإجتماعية مع الأخذ فى الإعتبار الفروق في العادات والتقاليد والأعراف ومحاولة التعرف عليها مسبقاً.
  3. التصرف بحكمة في مجتمعات يمثل فيها ذووا المريض حاجزاً منيعاً بين الطبيب ومريضه. فهنا يجب الإستعانة بموظفي حقوق المرضي وموظفي الخدمات الإجتماعية حتي لايقع الطبيب في صدام مع ذوي المريض عندما يحاول التمسك بالمبادئ والقيم المهنية التى تفرض عليه تمليك الحقائق الصحية والخيارات العلاجية لصاحب الشأن أى المريض.
  4. مراعاة المعتقدات الدينية لدي المرضي وأهلهم.
  5. لتفادي هذه الإشكالات من الأفضل خلق علاقة مع المريض وذويه منذ البداية القصد منها التعرف علي الطريقة التي يفضلون بها إفشاء تلك الأخبار وليس من الضروري الحصول علي ذلك عن طريق الأسئلة المباشرة ولكن قد يتم إستنتاجه من المقابلات المتكررة.
  6. نلاحظ هنا الإختلاف الشاسع في هذه الطرق لإفشاء أي خبر يخص المريض وذلك بناءً علي الجنس من ذكر وأنثي وعلي الاعمار من كبار السن والشباب وبناءً علي المستوي التعليمي. فقد لوحظ أن الإناث والشباب والمثقفين اي المتعلمين يفضلون الإلمام بكل صغيرة وكبيرة بما فيها الأخبار السيئة ولكنهم في الوقت نفسه يحتاجون للدعم النفسي والمساندة لتحمل تلك الاخبار السيئة.
  7. أخيراً من الأفضل للطبيب أن لايتعمق في العلاقة الشخصية مع مرضاه حتي لا يجد نفسه اصبح فرداً من العائلة أو صديقاً حميماً لها فقد يؤثر ذلك علي قراراته الطبية فتحل العاطفة مكان الواقع والمنطق وحتى القرار الصحيح طبياً. فعادة مايوصي بأن لا يقوم الطبيب بتشخيص ومعالجة أقرب الأقربين إليه كأولاده ووالديه وبالذات الحالات المعقدة. إضافة إلي ذلك فإن صداقة المريض وذويه مما يجعل الطبيب فرداً من أفراد الأسرة قد يكون له مردود سلبي علي الطبيب في حالة حدوث مكروه لهذا المريض، فما بالك بأن يكون كل مرضي السرطان اصدقاء وافراد عائلة لطبيب واحد!!! فكثير من هؤلاء المرضى يمرون بأوضاع قاسية ومعاناة متكررة ومنهم من يفقد حياتة اثناء رحلة العلاج الشاقة فهذا يعني تحويل حياة طبيب الأورام إلي حزن مستمر.

فلذا يجب خلق علاقة مهنية حميمة تجعل الطبيب يحس ويشعر بما يحس ويشعر به مريضه مع ترك مجال يملأه بأموره الأسرية والحياتية الأخري بعيداً عن مهنة الطب.

مقابلة المريض الثانية وما تلاها:

عادة ماتكون نتائج الفحوصات والصور جاهزة لهذه المقابلة وعلي ضوئها يتم الإتفاق علي خطة علاج معينة علي حسب مرحلة المرض وحالة المريض العامة.

ولابد أن يكون للمريض نفسه دور فعال في إختيار العلاج وذلك تحت رعاية وتوصية الطبيب المعالج وبالذات في حالات السرطان المتقدمة والتي لايرجي الشفاء منها، إذ فيها لابد من الموازنة بين فعالية العلاج وماقد يجلبه من آثار جانبية قد تؤثر علي حركة المريض ونوعية حياته. أما في الحالات التي يطمع فيها الطبيب والمريض سوياً فى الشفاء التام او التحكم في المرض لدرجة تطيل من عمر المريض فمن الأفضل إتباع توصيات الطبيب حرفياً وتحمل الآثار الجانبية للعلاج. لكن في نهاية المطاف فالمريض وذويه هم من يختارون العلاج علي ضوء المعلومات والنصائح من الطبيب. بجانب علاج السرطان يجب الإلتفات الى أمورٍ أخرى مهمة جداً مثل الإكتئاب والقلق وما يصحبه من عدم النوم وكذلك مراعاة حالة المريض المادية ووضعه الإجتماعي، وهنا يأتي دور باقي الفرقة الطبية بما فيها موظفي الرعاية الإجتماعية مما قد يوفر بعض الخدمات الأساسية للمريض مثل السكن المؤقت أثناء فترة العلاج والترحيل من والى مكان العلاج. ثم تعريف المريض بتجمعات مرضى السرطان للتواصل الإجتماعى معهم والأخذ والإستفادة من تجاربهم مما يعطى هؤلاء المرضى دفعةً الى الأمام وعدم الشعور بالوحدة والعزلة. بلا شك فان ذلك يمثل سنداً قوياً للمريض اثناء رحلة العلاج.

فترة مابعد العلاج:

عند إكمال العلاج المقرر يجب علي المريض الآتي:

  1. المواظبة علي المتابعة والكشف الدوري ومايشمله من فحوصات وصور تشخيصية.
  2. الإحتفاظ ببعض التقارير التي تحتوي علي نوع المرض ومرحلته وماهية العلاج بما فيها أنواع الأدوية وأسماءها حتي يتسني للمريض عرضها علي أي طبيب آخر إن لزم الأمر.
  3. التعرف علي الأعراض والعلامات المتوقعة في حالة رجوع المرض لاسمح الله كالحمى المتقطعة والتعرق الشديد وفقدان الوزن فى حالة إنتكاسة سرطان العقد الليمفاوية. وذلك ما يدفع المريض الى عرض نفسه علي الطبيب دون تأخير.
  4. التعرف علي الآثار الجانبية للعلاج إن كانت قصيرة او بعيدة المدي ومراقبة ظهورها.

 

الشامى محمد الامين

Medical Oncologist: American Board of Internal Medicine and Medical Oncology

Central Care Cancer Center 

Wichita, KS, USA

www.cccancer.com

www.ZumZamiCancerCare.com

www.sudancancerclinic.co

 

 

Website - Twitter - Facebook - More Posts

5 تعليق على “كيف تواجه السرطان وتتعايش معه؟”

  1. Any ...كتب

    This is one of the most informative articles on this subject I have ever read. Kudos to the writer and publisher of this great content.

  2. بيار محمد امين ...كتب

    السلام عليكم سسيد دكتور ارجو ان تساعدني اخي مريض سرطان الغدد اللمفاويه ارسلتو رساله من قبل انه استعمل 23 جرعه كيمايه وزرع الخلايا الجذعيه وبعدها استعمل 4 جرعه brentxmab يقول دكتور انه تخلص من الغدد يحتاج الى زرع نخاع العظم من متبرع هل هو يحتاج الى زرع نخاع العظم من متبرع وما هو نسبه تطابق بين اخ او اخت ارجو جواب الله يحفظك

  3. الشامى محمد الامين ...كتب

    فى حالة رجوع المرض بعد زراعة الخلايا الجزعية من المريض نفسه وبعد Brentuximab
    يتبقى خيار رزاعة الخلايا من شخص آخر او العلاج التليطيفى وذلك لان زراعة النخاع من شخص آخر يحوم حولها جدل لم ينتهى بعد فهنالك من يقول انها لم تثبت نفعها بشكل نهائى وقاطع ويجب موازنة الآثار الجانبية مع المرض نفسه ولذا يجب التحرى والتأنى فى اتخاذ ذلك القرار.
    النسبة اكبر فى تتطابق الخلايا اذا كان المتبرع شقيق او شقيقة من اب واحد وام واحدة

  4. سعاد ...كتب

    جزاك الله خيرا يادكتور وبارك الله فيك كثير من مرضي السرطان واهلهم وحتي بعض الاطباءالمعالجين محتاجين فعلا لمثل هذه التوعية والنصائح التي قدمتها وياريت تتوفر بوسائل سهلة لتصل لكثير من اهلنا البسطاء مرضي السرطان الذين لايستطيعون الوصول الي الانترنت والذين تمتلئ بهم مراكز الاورام والذرة.
    فمنهم من لابعرف مثلا الاثار الجانبية للعلاج الكيماوي وكبف يستعد ليه ومادور التغذية في مقاومة المرض.

  5. الشامى محمد الامين ...كتب

    لك الشكر وربنا يوفقنا فى توعية اهلنا بهذا المرض وعلاجه. ان شاء سوف اقوم بمحاولة طباعة كتيبات وتوزيعها على المستشفيات المتخصصة فى علاج السرطان. والله الموفق

أضف تعليقاً