د. خالدة زاهر اول طبيبة سودانية

الكاتب : ا. محمد احمد الطيب / بتاريخ : يناير 8, 2011


خالدة زاهر
تم الاستناد في المعلومات المستخدمة في كتابة هذه السيرة على مقتطفات من كتاب فاطمة بابكر الذي عنوانه” النساء الافريقيات بين التقاليد و الحداثة” مقالة عدلان زاهر المنشورة في يناير 2006 بمناسبة الذكرى الثمانين لميلاد خالدة زاهر، و موقع السودان للجمبع (سودان فور أول( Sudan-forall.org ) في ملفه الخاص بالاحتفاء بذكرى ميلاد خالدة زاهر.
كانت خالدة زاهر:
• أول طالبة جامعية
• أول إمرأة طبيبة
• أول رئيسة لاتحاد نساء السودان
• أول إمرأة سوادنية تُسجن لأسباب سياسية خلال عهد الاستعمار.
• أول إمرأة سوادنية تصبح عضواً رسمياً في حزب سياسي سوداني.

من أنا؟ أنا امرأة سودانية عادية أحبت بلادها و منحتها الحياة ظروفا غير اعتيادية بحسب معايير تلك الأيام، و انحدرت من أسرة متعلمة و واعية سياسياً، و أب وطني و محب، و أمُ متفهّمة وواعية رغم أنها لم تذهب للدراسة في المدارس، و فوق كل ذلك كان لي زوج متعلم و محب. و اتاح لي ذلك الجو الذي ساعدني أن اخدم فتيات بلادي.
تحدث عدلان زاهر ، شقيق خالدة، بشأن الأيام الخوالي وذكر” أن خالدة كانت البنت الكبرى لزاهر الساداتي، قائد لفرقة بقوة دفاع السودان شاركت في حرب فلسطين في عام 1948. وولدت خالدة عام 1926. وفجأة وجدت نفسها بمواجهة مجتمع مغلق في ذلك الوقت بينما شجعها والدها على مواصلة تعليمها حتى التحقت بكلّية غردون الجامعية كأول طالبة يسمح لها بالوصول للجامعة.” والتحقت بالجامعة في زمن كان الفكر السائد أن المكان الطبيعي للفتاة أو المرأة هو منزلها، ناهيك عن السماح لها بمواصلة تعليمها و دراستها الجامعية و الخروج للعمل. وذكر عدلان زاهر أن الناس في منطقتهم حاولوا منع خالدة من مواصلة تعليمها الجامعي. و جاءت مجموعة من بعض الناس من حارتنا الى والدي و انتقدوه لسماحه لابنته بالذهاب الى الجامعة و الدراسة المختلطة. و كان رده ” إن ألصقت ابنتي برجال فسيتضح بأنها لصقة مختلفة”. ورفض و الدي طلبهم وواصلت خالدة دراستها للطب في كلية غردون حتى تخرجت عام 1952 كأول طبيبة سودانية.
وحسبما تمت الاشارة اليه في المقدمة، فإن خالدة و لدت في أم درمان عام 1926 و تلقت تعليمها الأولي في المدارس الارسالية ثم التحقت بمدارس اليونتي الثانوية للبنات في الخرطوم و من بعدها تخرجت في كلية كتشنر الطبية في الخرطوم عام 1952 كأول طبيبة سودانية.
و أكملت خالدة دراستها العليا في سلوفاكيا و المملكة المتحدة و تخصصت في طب الأطفال. و تطوّرت في مسارها المهني حتى أصبحت و كلية بوزارة الصحة. وطوال مسيرتها العملية تنقلت و سافرت الى جميع أنحاء السودان، و كانت ملتزمة بواجباتها المهنية في نشر الوعي بشأن صحة الأمومة و الطفولة، و حقوق الطفل، و محاربة العادات الضارة. و احيلت للتقاعد عام 1986 بعد أن قضت كل سنوات عملها داخل السودان حتى اختتمت حياتها العملية كمديرة لادارة امراض الأطفال برئاسة وزارة الصحة.

” وطوال مسيرتها العملية تنقلت و سافرت الى معظم أنحاء السودان، و كانت ملتزمة بواجباتها المهنية في نشر الوعي بشأن صحة الأمومة و الطفولة، و حقوق الطفل، و محاربة العادات الضارة”.
مثّلت كلية كتشنر الطبية المناخ الاجتماعي الذي قادها لاكتشا ف المجال السياسي و الولوج فيه منذ أربعينات من القرن الماضي و التي لم يكن يسمح للمراة خلالها بالخروج من المنزل. وفي ذلك الوقت انضمت خالدة و شاركت في نضال الحركة الوطنية ضد الاستعمار البريطاني المصري. و شاركت بشجاعة في المظاهرات ضد الاستعمار. وكان لها صوت عال في المنابر حيث كانت تلقي خطباً سياسية ملتهبة و تستنهض الهمم ضد الاستعمار. و لقد واجهت المزيد من الشدائد والمصاعب خلال مشاركتها في الحياة العامة أكثر من التي واجهها أولئك الرجال حيث أن اعتقال الرجال في الحياة السياسية كان أمراً يمكن تفّهمه. و بذلك أعطت خالدة درساً باعتقالها كإمرأة معتقلة لأسباب سياسية، وذلك من خلال عزمها على المضي في المشاركة في المجال السياسي و تحمل المترتبات التي مرت بها و دفاعها المتواصل من أجل نيل الاستقلال
وتحملهّا العواقب التي عانت منها و دفاعها المستمر من أجل الاستقلال ورفضها لجميع صيغ الدكتاتورية، سواء كان ذلك خلال حكم الاستعمار أو الحكم الوطني حتى الوقت الحالي. وكان لمشاركتها في الحياة السياسية المبكرة، و التي اعتبرت متناقضة اجتماعيا و سياسا، الفضل في تهيئتها لتصبح أول امرأة سودانية تتمتع بعضوية رسمية في حزب سياسي، حيث اعتبرت أول امرأة تنضم الى الحزب الشيوعي السوداني وتنال عضويته.
وحينما تتذكر بدايات اهتمامها بقضايا وحقوق المرأة تقول ” لا أذكر بالتحديد متى بدأت أشعر بأن النساء مضطهدات في بلادي و كيف يمكنني التحدث و اظهار احتجاجي واعتراضي، و وغضبي وسخطي على ذلك الوضع .ولقد كنت محظوظة في انني واصلت تعليمي ودخلت كلية الطب بجامعة الخرطوم . مما اتاح لي فرصة لم تنالها العديدات من بنات جيلي. لذا ومن أجل التأمل في ذلك الشعور قمت بتأسيس أول حركة نسائية في عام 1947 مع الاستاذة فاطمة طالب اسماعيل – رحمها الله – بالمشاركة مع مجموعة أخرى من الفتيات والصديقات قمنا بانشاء الجمعية الثقافية للبنات. وكان البند الأول في لائحة تلك الجمعية هو بث الوعي الوطني و التعليم في أوساط النساء. لذا بدأنا عملنا في المدارس المسائية للنساء.

” لا أذكر بالتحديد متى بدأت أشعر بأن النساء مضطهدات في بلادي و كيف يمكنني التحدث و اظهار احتجاجي واعتراضي، و وغضبي وسخطي على ذلك الوضع .ولقد كنت محظوظة في انني واصلت تعليمي ودخلت كلية الطب بجامعة الخرطوم . مما اتاح لي فرصة لم تنالها العديدات من بنات جيلي. لذا ومن أجل التأمل في ذلك الشعور قمت بتأسيس أول حركة نسائية…
تزامنت مشاركة خالدة زاهر في قضايا حقوق المرأة السودانية مع إسهامها في النضال ضمن الحركة الوطنية المتنامية ضد الاستعمار مع ولادة أول تنظيم نسائي سوداني و الذي أسسته خالدة مع زميلتها فاطمة طالب حينما كانتا تدرسان في المرحلة الثانوية . لكن ذلك التنظيم لم يستمر لأكثر من أربع سنوات و عزت خالدة ذلك لنقص الخبرة و صغر سن اللائي أسسن التنظيم، اضافة الى العادات و التقاليد السودانية التي قيّدت حركة النساء. علاوة الى ذلك فقد ادت الخلافات و الصدامات بين الأحزاب السياسية السودانية الى التأثير سلباً على النساء السودانيات و التزاماتهن السياسية.

إن تجربة انشاء اول تنظيم نسائي سوداني جعلت خالدة للمشاركة بكامل طاقتها في قضايا حقوق المرأة و ساهمت مع الرائدات من النساء الناشطات في تأسيس الاتحاد النسائي السوداني و الذي انتخبها كأول رئيسة لمجلسه.
و قد حقق الاتحاد النسائي مكاسب عديدة للنساء وبخاصة السودانيات، حيث نجحت المرأة السودانية في الدخول الى البرلمان في وقت مبكر مقارنة بدول الجوار الأفريقي أو العالم العربي، و تقلدت النساء مناصب عالية في المؤسسات الحكومية و التعليمية و الوزارات و كذلك جامعة الخرطوم، و الهيئة القضائية ، و في مجال المحاماة، و التدريس، و المجالات الادارية ، الشرطة، القوات المسلحة و مجالات الخدمة المدنية الأخرى,
وتنظر خالدة الآن لتجربتها في الاتحاد النساء بنفس الحماس و الرؤية الناقدة اللتين عززتهما من أجل تأسيس الاتحاد آنذاك. و تقول” كنت واحدة من النساء المؤسسات اللائي حضرن الاجتماع التأسيسي في أواخر عام 1951 و أسسن الاتحاد في يناير 1952، و منذ ذلك التاريخ وحتى هذه اللحظة لم اتقدم باستقالتي أو تقاعدت أو ضعف ايماني بالاتحاد رغم معاناة الاتحاد من الانقسام و الاخطاء و الرقابة من السطات.
” آمل أن تقوم الشّابات في الاتحاد النسائي بمراجعة أفكارهن بشأن الاتحاد و تحديث خطاب التحرير و نقد السلبيات و ابراز الايجابيات”.
و لم تقف مساهمة خالدة زاهر سواء في بناء المعرفة أو انتاجها على تعميق عكلها و التزامها بقضايا المرأة و حقوقها سعيا لاكمال تحريرها. و دائما تسهم برؤيتها الناقدة حول ضرورة تعزيز قضية تحرير المرأة السودانية حيث تقول ” إن خطاب التحرير في أيامنا هذه مازال كما هو قبل خمسين عاما خلال الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية، حينما ناضلت النساء مع حركات التحرر ضد الاستعمار الغربي و طالبن بحق المرأة في المساواة ، و العمل ، و الاستقلال الاقتصادي و التحرر من التقاليد البالية. و رغم العديد من التغيّرات التي طرأت حالياً إلاّ ان تعليم المرأة و استقلالها الاقتصادي ، وحقها في أن تنتخب و تتولى مناصب عالية من المرجّح أن يصبح أمراً اعتياجياً و تلقائياً، لكن ما تزال النساء و خصوصاً في السودان يُضيِّعنَ ساعات عديد ة في العمل المنزلي ، والبحث عن المياه و الوقود و يجهدن في العمل الزراعي، إضافة الى تدهور صحة الأمومة و الطفولة و التدني العام لصحة المواطنين، وكذلك معانة النساء و الاطافل من الحروب المتواصلةو الممتدة. وذلك ما ابقاهن في وضع الضعف و عرضة للجهل و التخلّف مثلما يحدث حاليا في ظل قوانين الحكومة الحالية.و بسبب كل ذلك تقول خالدة ” يجب علينا مراجعة خطاب تحرير المرأة في مطلع القرن الحادي و العشرين “.
وحينما ننتقل للجانب الآخر من الرؤية النقدية لخالدة زاهر و التي صاغتها مانزال تعمل على تطويرها من خلال اطلاعها الواسع في مجل الفكر النسائي و العبر خبرتها العملية، ما تزال خالدة تتأمل الأفكار النسوية الغربية و تعتقد بأن التغيّرات التي حدثت في الغرب كانت نتيجة للثورة الصناعية و الحربين العالميتين قد مكّنت النساء من اكتساب حقوق سياسية واقتصادية. و لاخظت أن حركة المرأة ف أفريقيا عموما و السودان على وجه الخصوص ، تختلف تماماً نظراً لاختلاف الثقافة و العادات و التقاليدو الدين، و اختلا ف ثقافتتين أولاهما مبينية على الفردية و الأخرى على التعددية. و تعتقد بأن النساء في الغري يعانين من ما تسميه “بعقدة الديكور” و هي أن وسائل الاعلام ما تزال تعتبر المرأة حسب هذه النظرة وأن العلاقة مبينة على الجنس و ليست على الانسانية، و على الرعاية بدلآ عن المعرفة المتوازية لما يناسب وضعنا و اختلاف ميراثنا. وتؤكّد خالدة زاهر بأن حركة النساء السودانيات و أفكارهن أقرب لحركة المرأة الأفريقية و قضاياها عن التجربة الغربية و أفكارها أو حنى العربية. وتشيرخالدة في هذا الصدد ” إننا نحن النساء الأفريقيات نختلف على وجه الخصوص عن النساء الغربيات و الغربيات في الشرق الأوسط حيث أننا ننعم بحريات ذاتية أكبر و نشارك في الأعمال اليومية و نتمتع بققدر أكبر من احترام الرجال ، وذلك ليس بسسب كوننا نساء ، ولكن بالضرورة لكوننا شركاء. هذا الاختلاف لا يعني أننا حققنا المساواة، فما نزال نبحث عن الأمان من الحروب و الجوع و المجاعات و الأمراض و الحكومات العسكرية…”
و اختتمت خالدة رؤيتها بشأن العلاقة بين خركة النساء السودانيات و الغرب بالتأكيد على خصوصية التجرية السودانية. وأبانت أن حركة النساء السودانيات تعتبر حركة أصيلة و صادقة و عميقة الجذور و أنها نبعت من وجداننا كنساء سودانيات و تحت ظروف خاصة بنا بصرف النظر عما إذا كانت هذه الظروف حسنة أو سيئة. و نجحنا عبر نضالنا الطويل في نشر المعرقة و الوعي في أوساط النساء السودانيات.واضافة الى ذلك ساهمنا – باعتبارنا من بين اولى الحركات النسائية- في تأسيس اتحاد نساء أفريقيا. ومن ناحية الثقافة و التقاليد تجدنا أقرب للحركات الأفريقية من الى الغربية، لكن ظروفاً عديدة ربطتنا بالغرب أكثر من أفريقيا. و ما تزال خالدة زاهر في عقدها الثامن تؤمن بضرورة ترتيب أولويات قضايا المرأة السودانية و تجديد خطابها ، آخذين في الأعتبار التنوع فيما بين المجموعات النسائية و اختلاف قضاياهن واهتماماتهن. و تشير فيما يلي الى موجّهات لتطوير خطاب المرأة:

أولا : تعليم ونشر ثقافة الوعي بمطالب النساء و ذلك لأن الجهل و عدم المعرفة قد سببا العديد من المشاكل مثل اللجؤ للسحر و المعتقدات الخاطئة و الشعوذة و الدجل.
ثانيا: الاستقلال اللاقتصادي ، إذ حيثما اعتمدت المرأة اقتصاديا على الرجل كلما قبلت بسهولة أنواع مختلفة من الاستغلال.
ثالثا: مخاطبة المرأة الريفية، إذ ظللنا لقرابة النصف قرن نعالج قضايا المرأة من وجهة نظر المرأة في المناطق الحضرية بينما 80% من النساء السودانيات يعشن قي الريف. ومشاكل هولاء النساء تختلف تماماً عن مشاكل النساء في المناطق الحضرية، إذ ينفقن يومهّن في جلب الماء و الوقود و طهو الطعام و رعاية الأطفال….
ولخالدة زاهر تقييم مختلف للتنوّع و التباينات في طيف الحركة النسوية السودانية، فهي ترى بأن التنوّع يعتبر قيمة مضافة في الدفاع عن قضايا و حقوق المرأة. و تعود خالدة للبدايات الأولى للحركة النسوية و تقول “كنّا أولئك النسوة اللائي نسمّي أنقسنا “رائدات الحركة النسوية السودانية” و نتحدث دائما عن (الاتحاد النسائي) مع لمحة من ( الجمعية الثقافية للفتيات) والتي كانت في الواقع أول تنظيم للمرأة وتطوّر فيما بعد الى ( جمعية نهضة المرأة) و العديد من المنظمات النسوية الاسلامية. و ينبغي النظر في جميع هذه التنظيمات باعتبارها جزءاً من تاريخ الحركة النسوية ، بما في ذلك الحركات و المنظمات التي أنشأتْ خلال فترة حكم الفريق عبود، و اتحاد نساء السودان خلال فترة حكم الرئيس نميري. وكل ذلك يؤكد وجود حركة واسعة في اوساط النساء سواء تم اعتمادها أو تخصيصها من قبل السلطات، وكان لكل منها آثاره بصرف النظر عن محدوديتها.
وأتمنى من أولئك الذين يضطلعون بمسؤولية كتابة تاريخ الحركة النسوية أن يأخذوا هذه الحقائق في اعتبارهم. إذ بالرغم من الرقابة و الحظر الذين فرضتهما السلطات ، إلا أنني أعتقد أن الحركة النسوية ذات جذور قوية و لم تمت بل استطاعت أن تعود أقوى تحت مسميّات أخرى. لذا فهذا المجال متاح وواسع بالقدر الكافي لجميع النظريات و المستقبل واعد للجميع”.

استنبطت هذه المقالة و صيغت ترجمتها من مقالة بعنوان ” حقوقنا: من أجل مبادئ راسخة لحقوق الانسان في الثقافات السودانية” مجلة غير دورية – العدد رقم 1 – يوليو 2006 KCHRED

اعداد وترجمة ا. محمد احمدالطيب

ا. محمد احمد الطيب

Georgetown UniversityUSA

يوجد تعليق واحد على “د. خالدة زاهر اول طبيبة سودانية”

  1. Osman ...كتب

    الموضوع يستحق الوقوف مرات ومرات, لا تشويق كلماته فقط, ولكن للجرأة التي افتقدها كثير من الكتاب,, التحية والتجلة للكاتب

أضف تعليقاً